Search This Blog

Saturday, September 26, 2026

إطلاق البصر

قال الإمام ابن مفلح رحمه الله:

«وليحذر العاقل إطلاق البصر، فإن العين ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه»
— ابن مفلح،
الفروع.

عبارة قصيرة قيلت قبل قرون، ولكنها تحمل ملاحظة دقيقة عن طبيعة الإنسان: هل نرى الأشياء فعلًا كما هي، أم كما تجعلنا رغباتنا نراها؟

سياق كلام ابن مفلح يتعلق أساسًا بإطلاق البصر وما قد ينشأ عنه من تعلق وعشق، فلا ينبغي أن ننسب إليه ما لم يقصده صراحة. لكن من المثير أن نقرأ الملاحظة النفسية التي تتضمنها عبارته في ضوء ما توصل إليه علم النفس الحديث حول الندرة، والانتباه، والمقارنة الاجتماعية، والتنبؤ بالسعادة المستقبلية.

فقد يكون الشيء عاديًا في ذاته، لكن عندما يصبح بعيد المنال، تبدأ النفس في منحه من القيمة والجمال ما قد لا يكون فيه أصلًا.

1. عندما يصعب الحصول على الشيء تزداد جاذبيته

درست البحوث النفسية والاقتصادية ما يعرف بـ تأثير الندرة (Scarcity Effect)، وهو ميل الإنسان، في ظروف معينة، إلى إعطاء قيمة أكبر للأشياء عندما تكون نادرة أو محدودة أو صعبة المنال.

وهنا يلفت النظر اختيار ابن مفلح لعبارة:

«غير المقدور عليه»

فليس الحديث فقط عن شيء جميل نراه، وإنما عن شيء نراه ولا نقدر عليه.

وهذه المسافة بين الرؤية والقدرة على الامتلاك قد تكون هي نفسها جزءًا من جاذبيته.

فنحن أحيانًا لا نريد الشيء لأنه استثنائي بالضرورة؛ بل قد يبدو لنا استثنائيًا لأننا لا نستطيع الحصول عليه.

وهذا فرق بالغ الأهمية.

2. ما نركز عليه يكبر في أعيننا

عندما يستحوذ شيء معين على انتباه الإنسان، يصبح أكثر حضورًا في تفكيره، وقد يبدأ في المبالغة في تقدير أهميته وتأثيره في حياته.

وتقترب من ذلك ظاهرة يناقشها علماء النفس تحت مفهوم Focalism؛ فعندما نركز على عامل واحد، قد نبالغ في تقدير مقدار تأثيره في سعادتنا المستقبلية، لأننا لا نعطي بقية جوانب الحياة الوزن نفسه.

فيقول الإنسان:

لو امتلكت هذا المنزل فسأكون أكثر سعادة.

أو:

لو وصلت إلى ذلك المنصب لتغيرت حياتي.

أو:

لو كانت لدي إمكانات فلان لزالت كثير من مشكلاتي.

ولكن الحياة لا تتوقف عندما يتحقق ذلك الشيء. تبقى الصحة، والأسرة، والعمل، والالتزامات، والمخاوف، والعلاقات، وتقلبات المزاج، وعشرات العوامل الأخرى.

لكن عندما تتركز العين والعقل على شيء واحد، قد يبدو وكأنه المفتاح المفقود للسعادة كلها.

3. الخيال يكمل ما لا تراه العين

وهنا ربما نقترب أكثر من عمق عبارة ابن مفلح:

«تراه على غير ما هو عليه»

فالإنسان عندما ينظر إلى شيء من بعيد لا يعرف تفاصيله كاملة.

وما لا نعرفه نميل أحيانًا إلى إكمال صورته بخيالنا.

نرى شخصًا ثريًا، فنرى منزله وسيارته وأسفاره، ولكننا لا نرى بالضرورة قلقه، أو مشكلاته الأسرية، أو صحته، أو الضغوط التي يعيشها.

نرى صاحب المنصب، فنرى المكانة والامتيازات، ولا نرى المسؤولية والقلق والوحدة التي قد تصاحب القرار.

نرى أسرة تبدو سعيدة، ولكننا لا نعيش داخل منزلها.

وهنا يحدث خطأ نفسي شديد الأهمية:

نقارن حياتنا التي نعرف تفاصيلها كاملة بصورة ناقصة عن حياة الآخرين، ثم يقوم خيالنا بإكمال الأجزاء المفقودة.

فتصبح المقارنة بين:

واقعنا الكامل بكل عيوبه

و

صورة منتقاة للآخرين أكملها خيالنا بأفضل الاحتمالات.

ومن الطبيعي أن نخسر مثل هذه المقارنة.

4. وسائل التواصل الاجتماعي: «إطلاق البصر» في عصرنا

ربما لم يوجد في تاريخ الإنسان وقت تعرضت فيه العين لهذا الكم من حياة الآخرين كما يحدث اليوم.

قديمًا كان الإنسان يقارن نفسه غالبًا بأفراد أسرته وجيرانه وزملائه ومحيطه الاجتماعي المحدود.

أما اليوم، فيستطيع خلال دقائق أن يرى:

منزل شخص،
وسيارة شخص آخر،
وسفر ثالث،
ونجاح رابع،
وجمال خامس،
وأبناء متفوقين عند سادس.

ثم يقع العقل في خطأ عجيب:

يجمع أفضل ما لدى هؤلاء جميعًا في شخص افتراضي واحد، ثم يقارن حياته به.

وهذا الشخص لا وجود له أصلًا.

وتوفر وسائل التواصل بيئة خصبة لما يسميه علماء النفس المقارنة الاجتماعية الصاعدة (Upward Social Comparison)؛ أي مقارنة أنفسنا بمن نعتقد أنهم أفضل منا في جانب معين.

وليست المقارنة الصاعدة سيئة دائمًا؛ فقد تلهم الإنسان وتدفعه إلى التعلم والتحسن. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول من:

«ماذا أستطيع أن أتعلم منه؟»

إلى:

«لماذا ليست حياتي مثل حياته؟»

الأولى قد تدفع إلى النمو.

أما الثانية فقد تدفع إلى الحسد والإحباط وعدم الرضا.

5. ليس الشيء وحده ما نبالغ في تقديره… بل السعادة التي سيمنحنا إياها أيضًا

من الموضوعات المهمة في علم النفس الحديث التنبؤ الوجداني (Affective Forecasting)؛ أي محاولة الإنسان توقع كيف سيشعر في المستقبل إذا حدث له أمر معين.

وتبين البحوث أننا لا نكون دائمًا جيدين في ذلك.

فقد نبالغ في تقدير شدة سعادتنا المستقبلية، أو مدة استمرارها، بعد الحصول على شيء نريده.

نقول:

لو حصلت على هذه الوظيفة فسأكون سعيدًا.

لو اشتريت هذا المنزل فسأرتاح.

لو امتلكت هذه السيارة فسأستمتع بها سنوات.

ثم نحصل على الشيء، ونفرح به فعلًا، لكن الإنسان يتكيف مع كثير من التغيرات، ويصبح ما كان يومًا حلمًا جزءًا من الحياة اليومية.

وهكذا قد يقع خطآن معًا:

نضخم قيمة الشيء قبل الحصول عليه، ثم نضخم مقدار السعادة التي نتوقع أن يمنحنا إياها.

وهنا تصبح عبارة ابن مفلح أكثر إثارة للتأمل:

«فإن العين ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه»

من العين إلى عدم الرضا

يمكن تلخيص المسار النفسي المحتمل في سلسلة بسيطة:

النظر ← الانتباه ← المقارنة ← التخيّل ← التضخيم ← الرغبة ← التعلّق ← عدم الرضا بما لدينا

وليست كل حلقة حتمية، وليس كل إنسان يمر بهذا التسلسل بالطريقة نفسها.

لكن الحكمة تكمن في إدراك أن ما نسمح له باحتلال انتباهنا باستمرار يؤثر فيما نرغب فيه، وما نرغب فيه يؤثر في تقييمنا لما نملكه بالفعل.

وهنا ربما يكون معنى «إطلاق البصر» أوسع من مجرد لحظة رؤية عابرة.

فالمشكلة ليست دائمًا في أن ترى، وإنما في أن تسمح لما رأيت أن يستحوذ على انتباهك، ثم تعود إليه مرارًا، ثم تقارنه بما لديك، ثم يبدأ الخيال في تزيينه.

ولكن… هل الحل ألا ننظر إلى من هو أفضل منا؟

بالطبع لا.

فالنظر إلى الناجحين قد يعلمنا، والمقارنة قد تكشف لنا جوانب نستطيع تحسينها، ورؤية ما وصل إليه الآخرون قد توسع تصورنا لما هو ممكن.

الفرق في السؤال الذي نسأله بعد أن نرى.

بدلًا من:

«لماذا لديه ما ليس لدي؟»

يمكن أن نسأل:

«ما الذي يمكنني أن أتعلمه منه؟»

وبدلًا من أن تكون المقارنة أداة لقياس قيمة حياتنا، نجعلها أداة للتعلم.

وهنا يمكن اختصار المسألة في عبارة:

انظر لتتعلم، لا لتنغمس في التمني والمقارنة.

وأخيرًا…

لعل أجمل ما في عبارة ابن مفلح أنه لم يقل إن غير المقدور عليه أجمل، وإنما قال إن العين قد تراه:

«على غير ما هو عليه»

وهذا فارق دقيق.

فالمشكلة ليست دائمًا في الأشياء التي أمام أعيننا، وإنما أحيانًا في الصورة التي يصنعها العقل منها بعد أن تمر عبر الرغبة والحرمان والخيال والمقارنة.

ولهذا فإن من الحكمة ألا نغلق أعيننا عن الدنيا، ولكن أن نتعلم كيف ننظر إليها.

فليس كل ما يلمع في حياة الآخرين ذهبًا، وليس كل ما نفتقده سيجعل حياتنا أفضل لو امتلكناه، وليس كل ما اعتدنا وجوده في حياتنا قليل القيمة لمجرد أننا ألفناه.

وربما يكون من أعظم أبواب الرضا أن نتعلم رؤية ما بين أيدينا على حقيقته، وألا نرى ما في أيدي الآخرين أجمل من حقيقته.

No comments:

Post a Comment